تخطَّ إلى المحتوى
كل الرؤى

كيف تبني أربع عشرة حكومةً أنظمةَ التصميم، وما الخطوة التالية للهوية البصرية السورية الجديدة

جعفر أبازيد آخر تحديث

Design Systems Government Accessibility RTL
من الهوية إلى نظام التصميم، رؤى منطق

تُقاس الحكومات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمدى جودة مواقعها الإلكترونية وتطبيقاتها، وبقدرتها على تقديم خدمات عامة تعمل بكفاءة. وفي الثالث من تموز 2025 (قبل عام من هذه الدراسة)، أطلقت سوريا هوية بصرية وطنية متكاملة: نسر ذهبي، وعلم بثلاث نجمات، وخط “قُمرة” العربي، إلى جانب حزمة رسمية للشعار قابلة للتنزيل. لكن ما ينقصها حتى الآن هو العنصر الذي يحول الهوية البصرية إلى خدمات رقمية متسقة وسهلة الاستخدام ومتاحة للجميع: Government Design System.

ولهذا، درسنا كيف عالجت أربع عشرة حكومة وطنية هذه المسألة تحديداً، وما الذي يتطلبه بناء نظام تصميم حكومي حديث، مصمم منذ البداية لدعم اللغة العربية واتجاه الكتابة من اليمين لليسار RTL. ما يرد في هذا الدراسة يمثل قراءتنا المستقلة لهذه التجربة، بوصفها وجهة نظر ودراسة حالة، وليس معياراً أو مرجعاً رسمياً صادراً عن الحكومة السورية.

كيف تُقرأ هذه الدراسة. جرى تصنيف كل معلومة أدناه بوضوح، حتى لا تُقدَّم الافتراضات على أنها حقائق: 🟢 رسمي (موثقة في مصدر رسمي صادر عن الحكومة السورية)، 🔵 موثّق ميدانياً (مرصودة في موقع حكومي يعمل حالياً، لكنها غير موثقة رسمياً)، 🟠 مقترح (مقترحنا المستند إلى أفضل الممارسات، وليس معياراً سورياً قائماً). لم تُختلق أي معلومة في هذا الدراسة، وهذا التحليل مستقل تماماً؛ فهو لا يتبع الحكومة السورية، ولا أُعِدَّ بتكليف منها، ولا يمثل موقفها أو يحظى بموافقتها أو اعتمادها بعد.

هوية بصرية حقيقية، ولا نظام مرتبط بها حتى الآن

الهوية البصرية حقيقية ورسمية. 🟢 فقد أُطلقت هوية بصرية وطنية متكاملة في 3 يوليو 2025، تشمل شعار النسر الذهبي، والعلم ذي النجوم الثلاث، وخط قُمرة، إلى جانب حزمة رسمية للشعار متاحة للتنزيل، ونُشرت عبر موقع syrianidentity.sy.

لكنها لا تزال هوية بصرية، وليست نظاماً متكاملاً. 🟠 فلا يوجد دليل رسمي للهوية البصرية، ولا مواصفات للألوان أو المسافات، ولا نظام تصميم رقمي أو مكتبة مكونات. وتعتمد الجهات الحكومية الشعار الجديد بدرجات متفاوتة، وعلى منصات تقنية مختلفة، وبدرجات متباينة من اللون الذهبي، ودون واجهة موحدة مشتركة.

🔵 قد تطبق إحدى الوزارات الهوية بإتقان، بينما لا تزال وزارة أخرى تستخدم خط Arial، دون الشعار الجديد أصلاً. وهذه الفجوة، بين رمز بصري ونظام متكامل، هي جوهر الفرصة التي تتناولها هذه الدراسة.

كيف تعالج أربع عشرة حكومة هذه المسألة

أجرينا دراسة مقارنة لأربعة عشر نظام تصميم حكومياً، بدءاً من GOV.UK في المملكة المتحدة وUSWDS في الولايات المتحدة، وصولاً إلى KERN في ألمانيا، وGCDS في كندا، إضافةً إلى سنغافورة، وهولندا، وأيرلندا، وUX4G في الهند، وaegov في الإمارات العربية المتحدة. 🔵

ورغم اختلاف هذه التجارب في التفاصيل، فإن أكثرها نضجاً يلتقي حول مجموعة محدودة من المبادئ التي تستحق الاقتباس:

  • نواة مبنية على مكوّنات الويب Web Components مع أغلفةٍ Wrappers للأطر البرمجية (كندا، وسنغافورة، وأونتاريو)، بحيث تستخدم تطبيقات React وVue وAngular، إلى جانب صفحات HTML التقليدية، التنفيذ نفسه المتوافق مع معايير الوصول، بدلاً من أربعة تطبيقات تتباعد عن بعضها مع مرور الوقت.
  • رموز التصميم Design Tokens بوصفها المصدر الوحيد للحقيقة، ضمن ثلاث طبقات (الهوية البصرية، ثم الدلالات، ثم المكونات، وفق النموذج الهولندي)، بحيث تستطيع جهات حكومية متعددة تخصيص المظهر نفسه دون إنشاء نسخ مستقلة من النظام.
  • قسم “افعل ولا تفعل” مع ملاحظات خاصة بإمكانية الوصول Accessibility في صفحة كل مكوّن (المملكة المتحدة والولايات المتحدة)، وهو النمط التوثيقي الأكثر انتشاراً واعتماداً بين أنظمة التصميم الحكومية.
  • دعم Flutter والكتابة من اليمين لليسار RTL منذ اليوم الأول (UX4G في الهند)، لأن العربية تُكتب من اليمين إلى اليسار، ولأن الخدمات الحكومية أصبحت تعتمد على الأجهزة المحمولة أولاً.

أما الإخفاقات فأبلغُ درساً. 🔵 فقد طورت أستراليا ونيوزيلندا نظامي تصميم جيدين، لكنهما فقدا زخمهما بعد تراجع التمويل وغياب الحوكمة، فتحول أحدهما إلى إصدار Alpha مجمّد، بينما استمر الآخر من خلال نسخ مجتمعية Community Forks. أما النظام الأمريكي، فقد تقلص فريقه إلى ما يقارب مسؤول صيانة واحد، فأصبح دليل التصميم يتأخر عن الكود الفعلي. وفي المقابل، تمتلك السعودية دعماً مؤسسياً قوياً، لكن قاعدة الشيفرة البرمجية المنشورة للعامة لا تزال محدودة وقديمة نسبياً.

والخلاصة واضحة: إطلاق إصدار أول جيد ليس الجزء الصعب، بل الإبقاء على النظام حياً، وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي.

التوصية الجوهرية: طبقتان، وبوابة واحدة

🟠 تقدم ألمانيا النموذج الأقرب لما نوصي به. إذ يفصل مشروع Digitale Dachmarke بين طبقة الهوية والعلامة المؤسسية (الشعار الوطني المظلي، ونظام موحد لأسماء النطاقات)، وبين نظام تصميم رقمي مبني بالشيفرة البرمجية (KERN) يعمل تحتها.

وتتبنّى دولة الإمارات المبدأ نفسه، ولكن من زاوية أخرى؛ فالبوابة التي يستشهد بها كثيرون في مجتمع التصميم تُعنى بالهوية البصرية فقط، بينما يوجد UI Design System الفعلي في موقع مستقل هو designsystem.gov.ae.

لذلك، نرى أن سوريا ينبغي أن تطور الجانبين معاً، ضمن بوابة واحدة تضم منتجين واضحين ومتكاملين:

الطبقةما تنظمهالحالة
الهوية الوطنيةاستخدام الشعار والرمز الوطني، والعلم، والألوان، والخطوط، والصور، وأسلوب التواصل، وضوابط الاستخدام الخاطئهوية تموز 2025 🟢
نظام التصميمرموز التصميم Design Tokens، ومكونات واجهة المستخدم، وأنماط التصميم، وقوالب الصفحات، وحزم الشيفرة البرمجية، ومعايير إمكانية الوصول Accessibilityقيد الإنشاء 🟠

إن الفصل بين هاتين الطبقتين، مع إبقاء العلاقة بينهما واضحة ومترابطة، هو ما يسمح بالحفاظ على الهوية البصرية مستقرة ومتسقة، بينما يواصل النظام التقني الذي يقوم عليها التطور دون قيود.

ما الذي يحتاجه نظام حديث، مصمم من البداية لدعم الكتابة من اليمين لليسار

🟠 كل ما يرد في هذا القسم هو توصية، تستند إلى الركيزتين الأساسيتين في الهوية البصرية الحالية: الأخضر الداكن #042623 والذهبي #B9A779 (🟢🔵 وكلاهما يظهر في ملفات الشعار الرسمية وفي مواقع الوزارات العاملة)، إضافة إلى خط قُمرة.

والخط هو الموضع الأكثر انكشافاً في الهوية. 🟢 فـ«قُمرة» خط عربي تجاري، من تصميم أحمد زازا، صدر قبل إطلاق الهوية، ويُرخَّص للبيع كأيّ خط آخر. أي أن سوريا تبنّته، ولم يُصمَّم للدولة. وهذا يترك ثغرتين. الأولى أن الدولة لا تملك أصلاً طباعياً خاصاً بها؛ فبإمكان أي جهة ترخيص الخط نفسه وإنتاج نصوص تبدو رسمية، وهذا نقيض ما يُفترض أن يوفّره الخط الوطني من تمايز ومناعة ضد التزوير. والثانية أن الترخيص التجاري يتعارض مع أهمّ ما يجب أن يفعله نظام التصميم: تسليم خطّه لكل من ينفّذ عليه، من وزارات وموردين ومطوّرين.

🟠 والحلّ ليس خطاً بديلاً، بل أصلٌ طباعيٌّ محاطٌ بحوكمة:

  • تكليف تصميم خط خاص بالدولة وحدها، مملوك لها ومصمَّم لاستخدامها، لا مُتبنّى من السوق.
  • ربطه باتفاقية استخدام، بحيث لا يتداول بحرية، ولا يُستخدم لانتحال صفة رسمية.
  • نشره عبر التوريد، باشتراط تثبيته على أجهزة الجهات الحكومية ضمن شروط التوريد، حتى لا تعالج كل وزارة المسألة وحدها.
  • ترخيصه للطرف الثالث صراحةً، بشروط منشورة، ليتمكن الموردون والمطوّرون من شحنه قانونياً ضمن ما يبنون.
  • تغطية المنفّذين في الترخيص من اليوم الأول. فنظام تصميم لا يستطيع تسليم خطّه لمن يبني عليه ينكسر عند أول تطبيق.

وإلى أن يوجد هذا الخط، تُبقي البدائل المفتوحة (مثل Noto Naskh Arabic أو IBM Plex Sans Arabic) النظامَ صالحاً للاستعمال وقابلاً للتوزيع. لكنها حلٌّ مؤقّت لمشكلة التوزيع، لا جواب عن مسألة السيادة.

وانطلاقاً من هذه الأسس، تصبح بقية اللبنات معروفة ومستقرة في أنظمة التصميم الحديثة: رموز تصميم Design Tokens بثلاث طبقات، ومقياس موحد للمسافات Spacing والشبكات Grid، وحركات انتقالية Motion تعبّر عن حالة الواجهة مع احترام إعدادات Reduced Motion، والأهم من ذلك كله، دعم RTL وLTR من قاعدة شيفرة برمجية واحدة، باستخدام Logical CSS Properties، بحيث لا يتفرع المساران العربي والإنجليزي إلى نظامين مختلفين. كما ينبغي أن يستهدف النظام الامتثال لمعيار WCAG 2.2 Level AA، انسجاماً مع ما تعتمده دولة الإمارات والمملكة المتحدة، وبمستوى يتجاوز معظم الأنظمة المماثلة.

بعد ذلك، تُبنى جميع المكونات وفق عقد تصميم موحد، وهو النهج الذي رسخته أنظمة المملكة المتحدة والولايات المتحدة: ينبغي أن توثق صفحة كل مكوّن الغرض منه، ومتغيراته، وحالاته، ومتطلبات إمكانية الوصول Accessibility، وتعليمات افعل ولا تفعل، وسلوكه عبر مختلف أحجام الشاشات Responsive. فلا يمكن اعتبار زر Button مكتملاً ما لم تكن حلقة التركيز Focus Ring، ومنطقة النقر التي لا تقل عن 44 بكسلاً، وحالة التحميل، وسلوكه في RTL، جميعها موثقة ومحددة بوضوح.

الحوكمة هي المؤشّر الحقيقي

إذا كان هناك جانب واحد يستحق الاستثمار فيه أكثر من غيره، فهو ليس المكونات. 🟠 بل الحوكمة. فأستراليا ونيوزيلندا تقدمان درساً واضحاً: أنظمة جيدة، لكنها تُركت دون استمرارية. ولكي ينجح النظام السوري، فإنه يحتاج إلى فريق دائم مموّل يتولى ملكية النظام وإدارته، وإلى وحدة للمعايير الرقمية Digital Standards Unit تمتلك صلاحية الإشراف على طبقتي الهوية البصرية ونظام التصميم معاً. كما ينبغي التعامل مع النظام بوصفه منتجاً مستمراً، تُصنف مكوناته وفق وسوم نضج واضحة (من التجريبي Experimental إلى المستقر Stable)، وألا ينتقل أي مكوّن إلى حالة المستقر Stable قبل اجتياز مراجعة إمكانية الوصول Accessibility، وأن يصبح اعتماد النظام إلزامياً في جميع الخدمات الحكومية الجديدة. وهذا هو الفارق الحقيقي بين إطلاق مشروع، وبناء معيار وطني يدوم.

مسارٌ متدرّج

🟠 تنفيذ المشروع على مراحل متتابعة، بحيث تقدم كل مرحلة قيمة عملية مستقلة:

  • النسخة الأولية MVP (نحو 0 إلى 4 أشهر): إعداد دليل الهوية البصرية الرسمي المفقود بالتعاون مع فريق الهوية، واعتماد المواصفات الرسمية للألوان والخطوط، وإطلاق رموز التصميم Design Tokens، والهيكل الأساسي للبوابة، وعشرة مكونات أساسية مبنية باستخدام مكونات الويب Web Components وReact، مع الامتثال لمعيار WCAG 2.2 Level AA، ودعم الكتابة من اليمن لليسار RTL من اليوم الأول.
  • الإصدار 1.0 (نحو 4 إلى 10 أشهر): استكمال مكتبة المكونات، وإتاحة جميع أغلفة الأُطر Framework Wrappers، وإطلاق مكتبة Figma مع مزامنة رموز التصميم Design Tokens، وقوالب الصفحات الأساسية، والتوثيق الكامل، وتأسيس هيئة الحوكمة.
  • المراحل اللاحقة (بعد الشهر العاشر): دعم Flutter وتطبيقات الهاتف الأصيلة Native Mobile، وإضافة الوضع الداكن Dark Mode، وإطلاق بوابة حكومية وطنية موحدة مبنية على النظام، وإنشاء برنامج لقياس التزام الجهات الحكومية واعتمادها للنظام.

المنهجية، ولماذا جرى وسم كل معلومة

كتبنا هذا المقترح بالطريقة التي ينبغي أن تُكتب بها المقترحات الحكومية: كل معلومة موثقة ترتبط بمصدر واضح وتحمل التصنيف 🟢 رسمي، وكل ما جرى رصده في مواقع حكومية عاملة يحمل التصنيف 🔵 موثّق ميدانياً، أما جميع ما نقترحه فيحمل التصنيف 🟠 مقترح، ويُقدَّم بوصفه توصية قابلة للاعتماد، لا على أنه معيار سوري قائم. لم نبتكر لوناً، أو قياساً، أو أصلاً رقمياً واحداً، وهناك قاعدة ينبغي أن تصبح جزءاً من النظام نفسه: يجب دائماً استخدام شعار النسر الرسمي من الحزمة الرسمية للملفات، وألا يُعاد رسمه أو إعادة إنتاجه بأي شكل.

أما التحليل الكامل، والمقارنة التفصيلية لأنظمة التصميم الحكومية الأربعة عشر، والمواصفات الفنية المقترحة، وجميع المصادر التي استندنا إليها، فهي متاحة في المستودع التالي على GitHub.

لقد أصبحت سوريا تمتلك بالفعل أصعب ما في المشروع: هوية بصرية وطنية رصينة. أما تحويل هذه الهوية إلى خدمات رقمية حكومية متسقة، تبدأ بالعربية أولاً، فليس سوى تحدٍ في بناء نظام تصميم حكومي Government Design System، وهو تحدٍ نجحت دول عديدة في معالجته من قبل، ويمكن لسوريا أن تنجح فيه أيضاً.

هل هناك ما يدور في عقلك؟

سواء كنت تبحث عن حل لمشكلة ما أو تبني نظاماً يدوم للمستقبل، أخبرنا بما تعمل عليه، يسرّنا أن نساعدك.